عبد الله بن أحمد النسفي

131

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 140 إلى 142 ] أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 140 ) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 141 ) سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 142 ) 140 - أَمْ تَقُولُونَ بالتاء شامي وكوفي غير أبي بكر . وأم على هذا معادلة للهمزة في أتحاجوننا يعني أي الأمرين تأتون : المحاجّة في حكم اللّه أم ادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء ، أو منقطعة أي بل أتقولون . يقولون غيرهم بالياء وعلى هذا لا تكون الهمزة إلا منقطعة إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى ثمّ أمر نبيّه عليه السّلام أن يقول مستفهما رادا عليهم بقوله : قُلْ أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ يعني أنّ اللّه شهد لهم بملة الإسلام في قوله : ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً « 1 » ، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ أي كتم شهادة اللّه التي عنده أنّه شهد بها ، وهي شهادة اللّه لإبراهيم بالحنيفيّة . والمعنى أنّ أهل الكتاب لا أحد أظلم منهم لأنّهم كتموا هذه الشهادة وهم عالمون بها ، أو أنّا لو كتمنا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم منّا فلا نكتمها ، وفيه تعريض بكتمانهم شهادة اللّه لمحمد عليه السّلام بالنبوّة في كتبهم وسائر شهاداته . ومن في قوله من اللّه مثلها في قولك هذه شهادة مني لفلان إذا شهدت له في أنّها صفة لها وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ من تكذيب الرسل وكتمان الشهادة . 141 - تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ كررت للتأكيد ، أو لأنّ المراد بالأول الأنبياء عليهم السّلام وبالثاني أسلاف اليهود والنصارى . 142 - سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ الخفاف الأحلام فأصل السّفه الخفّة ، وهم اليهود لكراهتهم التوجّه إلى الكعبة وأنّهم لا يرون النسخ ، أو المنافقون لحرصهم على الطعن والاستهزاء ، أو المشركون لقولهم رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها واللّه ليرجعنّ إلى دينهم . وفائدة الإخبار بقولهم قبل وقوعه توطين النفس إذ المفاجأة بالمكروه أشد ، وإعداد الجواب قبل الحاجة إليه أقطع للخصم ، فقبل الرمي يراش السهم « 2 » ما وَلَّاهُمْ ما صرفهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها يعنون بيت المقدس .

--> ( 1 ) آل عمران ، 3 / 67 . ( 2 ) يراش السهم يلزق عليه الريش .